عبدالله غازي
يا منافق !!! عبارة لم نعد نسمعها كثيراً ، لأن مصطلح “النفاق” بمفهومه الديني والتاريخي القديم لم يعد قائماً ، لكن تغلغله في ثقافتنا تاريخياً أدى إلى عودته بشكل مختلف ، شكل جديد نزع مفهوم “النفاق” من المفهوم الديني التاريخي إلى مفهوم آخر بتوظيف أيديولوجي إقصائي ضد أي فكر مختلف أو تغيير في نفس ثقافة المجتمع.
نلاحظ اليوم في السعودية تياراً احترف استخدام هذه الإقصائية بهدف الحجر على العقل بالفصل بين التوجهات الفكرية والثقافية المختلفة ، وحصرها في خانتي الحق والباطل ، لسان حالهم يصرخ : إن لم تكن معي فأنت ضدي .
فكل من يخالف توجهات هذا التيار يتم تصنيف اختلافه هذا في خانة الباطل الذي يُعبر عنه بمرادفات “النفاق” الجديدة كالليبرالية والعلمانية وحتى الإلحاد التي تُستخدم كثيراً على المنابر الدينية والإعلامية لتهييج مشاعر المجتمع .
هذا المجتمع الذي يتقبل أكثر الأفكار إذا طُرحت عليه من زاوية دينية ، بغض النظر عن أي طموح أيديولوجي ديني أو سياسي يخفيه طارح الأفكار خلف عباءته الدينية .
إن عملية إعادة إنتاج “النفاق” بمرادفات جديدة في المجتمع هو أمر يستحق التوقف عنده ، فمرحلة انهيار الحضارة الإسلامية دفعتها بقوة رؤى وطروحات مثل كتاب “تهافت الفلاسفة” للغزالي الذي ( رد فيه على الآراء الفلسفية للفلاسفة المسلمين ، إذ حصر آراء الفلاسفة في عشرين مسألة ، بدَّعهم في سبع عشرة منها ، وكفَّرهم في الثلاث الباقية.
لكنه لم يدعُ إلى ذبحهم وتطليق نسائهم في كل الأحوال ، إذ إن الزمن الإسلامي في عهد الغزالي كان لا يزال في المرحلة الانتقالية -من التنوير إلى التكفير- إلى عصر الانحطاط الذي نعيش مآلاته ومصائره اليوم تحت راية فرسان التكفير)١
إن جو الحرية الشرعية هو المكان الذي تنمو وتزدهر فيه الأفكار الصحيحة ، أما حين يتوجب على المرء أن يحسب ألف حساب قبل أن يقول ما يراه -لأنه سوف يواجه تهماً وتشنيعاً وأذى وحبس- فإن الإبداع يموت .٢
ختاماً لن تنهض الأمة إن لم نوجد للاختلاف بيننا مكان ، فلنختلف ولنتناظر وننقد بعضنا بعضاً ، فالأفكار لا تتطور بلا تشكيك أو نقد .
١د.عبدالرزاق عيد
٢د.سلمان العودة